عودة إلى العدد الحالي إجعلنا صفحتك الرئيسية إحفظ الموقع عضو جديد دخول الأعضاء القبسPDF إشتراكات القبس عن القبس إتصل بنا
رئيس التحرير: وليد عبداللطيف النصف الجمعة 12 فبراير 2010 ,27 صفر 1431 , العدد 13186 البحث في العدد الحالي بحث متقدم الاعداد السابقة
الصفحة الرئيسية    نوافذ  
للتعليق أرسل إلى صديق تحويل إلى word طباعة pdf
تصغير الخطالشكل الأساسيتكبير الخط 12/02/2010
أكتب لأن
 
لماذا تكتب؟ لماذا العناء؟ لماذا ولماذا، هذا ما يقول لي الكثير من الناس، ألا ونني لم أكتب سوى عدد بسيط جدا من المقالات في حياتي وأكلني الجميع بالأسئلة، فيرميني البعض بالجنون، لا أفهم ولا يمكنني أن أفهم، تبعثر عقلي ولم يعد باستطاعته الرد، أين أبدأ وأين أنتهي؟ لماذا أكتب؟ ما أصعب السؤال وما أصعب الجواب، لا يمكنني أن أرد لو حال المحال ولو انقلبت السماء بحارا، لا أستطيع! هكذا هو مصير السؤال، محال الإجابة. كيف يمكن لأحد أن يسأل سؤالا كهذا أصلا؟ لا أعلم، غامضة أطوار البشر. هل يعلمون معنى الكتابة؟ أم هو فقط تساؤل لا مبال؟ ما أسهل السائل أن يسأل وما أجمل أن نصنع من السؤال إجابة. إجابة السؤال لا تسعها مقال ولا كتاب، سؤال لا يجاوبه إلا من هو بعيد عن المساءلة. ولأنني أدين السائلين جوابا، فاسمحوا لي أن أجيب:
نكتب ما يمكننا أن نكتبه كي نحول البشاعة جمالا، ونزرع الورود في القحال ونرمي الأحزان في الغفال ونعيش أيامنا بالألوان. نكتب كي يعلم من كان أن لنا الحرية ولنا الكلمة، وأن هذا العالم جميل شاء من أبى. نكتب ليعلم العالم أن لكل متطرف جحيما، وأن هذا العالم لا يسع إلا للسعادة والسلام، لا تطيق الكتابة الكآبة والحروب، لا يرى القلم سوى جناس بشر ولا طباق سرور. تحمل الكتابة على أجنحتها طيات الكلام فتطير بها كطائر الأشجان بين غصون الأطياف. الكتابة أم والكلمة بنت جميلة بريئة كباء الأطفال، وهكذا عاشت العلاقة طويلا قولي لي وإياكم، كيف بنا ان نعيش من غير سحر الكلمة؟ ومن غير شعائره الوردية؟ أتركوا عنكم كل ما هو حزين وبشع في ما يدور في السياسة القذرة التي تأكلنا كبشر يوما بعد يوم، وشاركوني ما أكتبه الآن، تعالوا لنعيش أمسية كلامية معا، لا تجمعنا فيها سوى كلمات على ورق، كلمات أجمل مما هو جميل. عيشوا معي ارجوكم تحت غيوم الكلمات واحيوا معي تحت ظلالها واستمعوا جيدا ما تصغي لنا. تخيلوا معي - وما أجمل الخيال - أن نسلم جميعا من أوساخ الحياة، لا نحرم أنفسنا من الخيال لنتخيل ولنستمع لوحي الكلام. الكلام والكلمة زوجان بقدرات ساحقة، يصنعان للخيال واقعا ويحييان فينا الموت، يحولان عبوسنا بسمات. هل أنتم معي، تخيلوا تخيلوا.. لا تقفوا الخيال، صدقوني الخيال ليس له نهاية. بالخيال يتحقق كل شيء، تخيلوا ونحن تحت غيوم الكلام، تخيلوا أبديا.
أكتب لأنه بالكلمة أحيا وبالكلمة أبقى. أكتب لأن ما في الوجود سوى كلمات عابرة، أكتب لأنه بالكتابة أصنع مستقبل هويتي. أكتب لأنه كما يقال الكتابة مسودة التاريخ، أكتب كي يقرأ من يقرأ ويعلم من يعلم ان للحياة هدفا ورؤية، رأيا وفكرا حرا مطلقا لا حد له. أكتب لأنني محتاج للكلمة حاجة الرضيع لأمه، اكتب لأن الكتابة نشوة الخلود وعلاقة خليط اللامعقول ما بين الواقع والخيال، تتعدى العلاقة القوانين الحياتية والعلمية، فتصعب على الذهن الاستيعاب، اكتب لأن علاقة الكلمة بالبشر علاقة ثورية وخافية تحرسنا من الطقوس، تثبتنا على أرض وتدفعنا للأمل. أكتب كي أصنع من الكلمة الحياة. أكتب أخيرا لأنني إنسان.

ناصر كامل العبدالجليل
كاليفورنيا - أميركا


        
        
        
        
        
        
        
        
إلى أعلى
إلى أعلى
جريدة القبس - جميع حقوق الطبع والنشر محفوطة 2008
تصميم وتنفيذ شركة IDS