أحاول أن أؤكد لنفسي في كل مجيء لي الى الكويت لقضاء اجازة الكريسماس بعد فصل دراسي دسم في كاليفورنيا انني سوف اجد نفسي في بقعة فرح واسترخاء، الا وانني احاول ان اصدق هذا التداعي المخيف بان الوضع العام في البلد لا يبشر الا بالخير، وهنا لا اعني الوضع السياسي، بل اعني الوضع الاجتماعي بشكل عام. كآبة المجتمع تأكل بعضنا الآخر، المطارات لا تشبع من المسافرين، الكل يبحث عن ملجأ يحاول ان يخفف عنه كآبته، لا نسمع من رفاقنا إلا متى سفركم القادم، أو ما خطط سفرك في العطلة القادمة؟ الهروب من البلد في العطل هو الحديث المستميت! سؤالنا الوردي هو: هل نلوم هذا الحديث؟ ما الذي يدفع هذا العدد المخيف من المسافرين لترك البلد في العطل؟
شيء ما يقرقع في قلبي منذ فترة طويلة جدا، هل يلتمس الاحباط والكآبة قلوبنا حين نفكر بالوضع الاجتماعي الحاضر للبلد؟ لا اعلم الجواب فعلا، بل اعلم ان كنت متفائلا الى حد الجنون فسأنفي قولا بان الاحباط والكآبة ليسا الا تداعي من قلة في البلد لا يمثلون الا جزءا بسيطا من اناس محبطين بالطبيعة وان ليس هناك شيء فعلي يدعو لاحباط او لكآبة، البلد في فرح مستمر والأمور الحياتية في تحسن رغم بعض الانحدارات المختلفة. وان كنت متشائما فقولي يصبح تطرفيا وغير صحيح لانه سوف ينصب في عنصرية فكرية تجذبني الى ما هو عكس التفاؤل واليمين (او اليسار ان فضلتم) الكلي لمفهومها. كلتا الفكرتين لا تلقى اجابة، تفاؤل غير مبني على واقع فعلي يتحول الى كذبة. اما الحقيقة الحيادية فهي ان البلد فعلا في فترة كآبة ان صح التعبير ومحبط اجتماعيا، العالم يحتفل والكويت تحرس ابوابها من مفكرين خدموا الفكر التنويري، العالم يحتفل والكويت تأمر وتنشر كوادرها الامنية بفرض عدم الاحتفال بأعياد رأس السنة، العالم يحتفل والكويت تبكي حسرة لما أصابها وتودع آلاف المئات من المسافرين عنها، العالم يحتفل والكويت تراها خلف ستار مظلم تلوح حزنا. هذه هي الحقيقة الحيادية الكلية.
نحن جميعا جالسون على مقاعد الكآبة ننظر للمسرح محبطين، كاتفي الأيدي، عابسي الوجوه، دامعي القلوب. تجمعنا الكآبة والحسرة وتوحدنا العزيمة والاصرار. متكئين على الارائك منتظرين فارسا يخرجنا من عزائنا الاسود، يكسر حواجز البؤس والاحباط، ومن هذا المنطلق ندلو لانفسنا دلوا صريحا ونداء صارخا ان ما علينا الا الايمان (الاجتماعي وليس الديني فقط) وليس علينا إلا الاصرار على غد اجمل، وغد اروع، وغد اصح لأجيالنا القادمة. ولنفكر أن هذه الكآبة الصريحة المرئية دائرة تجمعنا جميعا بلا استثناء.
كتابتي لهذا المقال بالتحديد هي من منطلق ايماني المطلق أننا سوف نصبح على وطن اجمل واكثر سطوعا من الذي نعيشه الآن. وانني اجزم ان نصبح على هذا الوطن مسافرين جميعا لنبذ تلك الكآبة الفائضة من حولنا. سوف نصبح على وطن مزدهر اجتماعيا وصارم سياسيا. ولان عادة الصباح مشرق ومنفتح الانفاس، فتصبحون جميعا على وطن.
* «وكونوا نشيد الذي لا نشيد له عندما تذهبون الى النوم هذا المساء، اقول لكم: تصبحون على وطن» محمود درويش
ناصر كامل العبدالجليل
كاليفورنيا - أميركا
المحررة: جسدت حالة البلد وما يلفها من كآبة بشكل رائع يا ناصر. نعم، نحن في مسرح كبير مكتوفي الأيدي متفرجين كيف تسلب أبسط حقوقنا وهو الفرح!